محمد جمال الدين القاسمي
231
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
إن ذلك حسب استعمالهم اللفظ على التهكم كما قال : وخيل قد دلفت لها بخيل * تحيّة بينهم ضرب وجيع ! والهداية هي الإرشاد إلى الخيرات قولا وفعلا ، وهي من الله تعالى على منازل بعضها يترتب على بعض ، لا يصح حصول الثاني إلّا بعد الأول ، ولا الثالث إلّا بعد الثاني . فأول المنازل إعطاؤه العبد القوى التي بها يهتدي إلى مصالحه إما تسخيرا وإما طوعا - كالمشاعر الخمسة والقوة الفكرية ، وبعض ذلك قد أعطاه الحيوانات ، وبعض خصّ به الإنسان ، وعلى ذلك دلّ قوله تعالى : أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [ طه : 50 ] ، وقوله تعالى : الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى [ الأعلى : 3 ] ، وهذه الهداية إما تسخير وإما تعليم ، وإلى نحوه أشار بقوله تعالى : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [ النحل : 68 ] ، وقوله تعالى : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [ الزلزلة : 5 ] ، وقال في الإنسان ، بما أعطاه من العقل ، وعرفه من الرشد : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ [ الإنسان : 3 ] وقال : وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [ البلد : 10 ] ، وقال في ثمود : فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى [ فصلت : 17 ] ، وثانيهما الهداية بالدعاء وبعثه الأنبياء عليهم السلام . وإياها عنى بقوله تعالى : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا [ السجدة : 24 ] . وبقوله : وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [ الرعد : 7 ] ، وهذه الهداية تنسب تارة إلى الله عز وجل ، وتارة إلى النبيّ عليه السّلام ، وتارة إلى القرآن . قال الله تعالى : إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [ الإسراء : 9 ] . وثالثها هداية يوليها صالحي عباده بما اكتسبوه من الخيرات ، وهي الهداية المذكورة في قوله عز وجل : وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ ، وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ [ الحج : 24 ] . وقوله : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ، فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] وقوله : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [ العنكبوت : 69 ] . وهذه الهداية هي المعنيّة بقوله : وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ [ الحديد : 28 ] . ويصح أن ننسب هذه الهداية إلى الله عز وجل فيقال : هو آثرهم بها من حيث إنه هو السبب في وصولهم إليها . ويصح أن يقال : اكتسبوها من حيث أنهم توصلوا إليها باجتهادهم . فمن قصد سلطانا مسترفدا فأعطاه ، يصح أن يقال : إن السلطان خوّله . ويصح أن يقال : فلان اكتسب بسعيه ، ولانطواء ذلك على الأمرين ، قال تعالى : وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ [ محمد : 17 ] ، وقال : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ [ يونس : 9 ] . فنبه أن ذلك بجهدهم وبفضله جميعا .